Skip to main content

حَيواتُنا.

يخْتلِف النْاسُ باخْتِلافِ أعْمارِهم. لا أقصِد عَدد السِّنين، فهُنالِك عُمرٌ آخَرْ افْتِراضِي لا يتَحدثُ بِه الكَثِيرون؛ عمرٌ باطِنٌ فِي عَقلِ كُل وَاحدٍ مِنَّا يزْدَاد مع كُل تجْربةٍ تزْرَع فِينا الحِكْمة أو تُغير آفاقَ تفْكِيرنا، مع كُل مُعْضِلة نمُرُّ بِها، مع كُل موْقِفٍ شعَرْنا فِيه بالهَزِيمة أوْ الضَّياع. لا يظْهر عَلي تجَاعِيد الوَجه ولا علي شِيب الشَّعْر. أُحب أنْ أُطْلِق عَليه 'عُمر الحَياة'. تسْتَطيع أنْ تُميِّزه فِي عُيُون النَّاظِرين إنْ اسْتَعمَلت بصَيرتَك. تَفْتح نافِذةَ الرِّوحِ فتَجِد غُلامًا لا يَتَعدي العَقْدين مِن الزَمَن يَنْظر إِليكَ بِعَيْنَي شَيخٍ زَاهدٍ شَهِد مِن الحَياةِ مَا لا تَتَخيْله أذْهَانُ البَشرِ وَآخرٌ يَنظُر إِليك بِعَيْني طِفلٍ بَرئٍ لمْ يرَ نِصفَ مَا يَبْدو عَليه مِن الكِبَرْ. نَكْتسبُه أحْيانًا عِنْدما نُقَابِل رَفيقَ دَربٍ يَمْنحُنا القُدْرةَ عَلي الحَياة، أوْ عِنْدمَا نقَع في الحُب. أجَل، نخَافُ مِن وَقع هَذه الكَلِمة أوْ بِالأحْري نَخَاف مِن غِيابِها. وَلكنِّي أتَحدثُ عَن الحُب الذِي لا ننْتظِر مَثِيله، إنَّه الشَغفُ بِالأشْياء أوَ الأشْخَاص الذِين نُضِيفُهم إِلي عَالمِنا الصَّغِير. نُحَارِب مِن أجْلِهم ويحارِبون مِن أجْلِنا. هُم عَطاءٌ ومِنْحة. تنْتَزع مِنِّا الحَياة أحْيانًا أفْضَلهم كَأنَّها نَاقمةٌ عَلي خَطأٍ اقْترفْنَاه وَأحْيانًا أُخْري يَخْتَفون بِابتعَاد الزَمَان والمَكَان.
لا أستَطيعُ أنْ أجزمَ كم عِشتُ في هذا البُعدِ الرَابع. ولا أُرجِحُ أنكَ إذا نظرتَ مِنْ خِلالِ حدَقتي عَيني الضيقَتين ستجدُ ما تبحثُ عُنه. ربما لَنْ تجَد سِوي عَتمة لا تَقدرُ علي أَنْ تُخبِرك بشئٍ مّن أَمري. لكن تَأمل آلافَ النَدباتِ اللي ملئَت جَسدي، إنها تُشبه الكَلماتِ المُتقَاطِعة التي تَخترِقُ مَشاعِري. لقد كَان أَولي لكَ أنْ تحزِر هذا، فقد كَانت الكلماتُ هي عِشقي الأَبدي، وقَعتُ فِي غَرامِها ذَات ليلةٍ مِن غَير أنْ أعلمَ. وعلي عَكِس الكَثيرين أعطَيتُ لِكل كَلمة حَقها وعَنيتُ كلَ ما قلتُه ... فِي أغلبِ الأحيانِ. ربما كَانِت هذه هي غَلطتي الفَادِحة. فالناسُ يا صَديقي لا يُبالون لمِا يقُولون؛ يُلقون كَلامَهم عبثًا وراء ظُهورِهم، يتَلاعَبون بالألفاظِ ولا يُعيرون اهتمامًا لمنْ تُصيبهم آثارُ جِراحِها. لم أحفل كثيرًا لِما يَقُولون ... هذا ينعتُني بالقَبيحِ وهذا يُخبِرني أَني حَقيرٌ وهَذا يُحدثني بأنّني لا أقدرُ علي المواجهةِ؛ جروحٌ سَطحيةٌ طَفيفةٌ. إلي أنْ جَاء اليومُ المَعلوم، جاءتني الكُلماتُ كالسهمِ الذي ظَل يطارِدني للأبَد. أخبرَني فيه أقربُ النِاسِ إلي قلبِي بأني لا أكتَرثُ إلا بنفسِي، أنني شَخصٌ أنَاني سَاذج، أنني لا أستَحقُ .. فقطْ ... لا أستحقُ كلَ شئٍ. أعتَقِد أنه علي حَق.
كيف أستُطيعُ أنْ أحيا بِهذا العِبأ. لقد أَصبحت هذه وصمتِي. لا هروبَ مِنها ولا أستطيعُ أنْ أُقايضَ حَياتي بأخري جَديدة. كَرهتُ كلَ ما حولي وأصبحتُ بِلا هدفٍ، أُقدرُ الصمتَ علي الكلامِ؛ أكثرُ فصاحةً وأقَل ضررًا. تِلك علاماتُ التقدمِ في السنِ، إنه الفتورُ. أتمنْي فقط لو كُنت مِن عالمٍ آخر حيثُ يُمكنِني أَن استخدِمَ آلةَ الزمنِ فأعود إِلي تِلك اللِحظَة التي بَدأ فِيها حُبي السابق. أعِيشُ ذَات اليومِ مِرارًا وتِكرارًا.

Comments